ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الشيري )

73

الامامة والسياسة

خطبة موسى بأفريقية قال : وذكروا أن موسى لما قدم أفريقية ، ونظر إلى جبالها ، وإلى ما حولها ، جمع الناس ثم صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إنما كان قبلي على أفريقية أحد رجلين : مسالم يحب العافية ، ويرضى بالدون من العطية ، ويكره أن يكلم ( 1 ) ، ويحب أن يسلم ، أو رجل ضعيف العقيدة ، قليل المعرفة ، راض بالهوينى ، وليس أخو الحرب إلا من اكتحل السهر ، وأحسن النظر ، وخاض الغمر ، وسمت به همته ، ولم يرض بالدون من المغنم لينجو ، ويسلم دون أن يكلم أو يكلم ، ويبلغ النفس عذرها في غير خرق يريده ، ولا عنف يقاسيه ، متوكلا في حزمه ، جازما في عزمه ، مستزيدا في علمه ، مستشيرا لأهل الرأي في إحكام رأيه ، متحنكا بتجاربه ، ليس بالمتجابن إقحاما ، ولا بالمتخاذل إحجاما ، إن ظفر لم يزده الظفر إلا حذرا ، وإن نكب أظهر جلادة وصبرا ، راجيا من الله حسن العاقبة ، فذكر بها المؤمنين ، ورجاهم إياها لقول الله تعالى : ( إن العاقبة للمتقين ) [ هود : 49 ] أي الحذرين . وبعد : فإن كل من كان قبلي كان يعمد إلى العدو الأقصى ، ويترك عدوا منه أدنى ، ينتهز منه الفرصة ، ويدل منه على العورة ، ويكون عونا عليه عند النكبة ، وأيم الله لا أريم ( 2 ) هذه القلاع والجبال الممتنعة حتى يضع الله أرفعها ، ويذل أمنعها ، ويفتحها على المسلمين بعضها أو جمعها ، أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين . فتح زعوان ( 3 ) قال : وذكروا أنه كان بزعوان ( 3 ) قوم من البربر ، يقال لهم عبدوه ، عليهم عظيم من عظمائهم يقال له : ورقطان ، فكانوا يغيرون على سرح المسلمين ، ويرصدون غرتهم ، والذي بين زعوان ( 3 ) وبين القيروان يوم إلى الليل ، فوجه إليهم موسى خمس مئة فارس ، عليهم رجل من خشين يقال له : عبد الملك فقاتلهم فهزمهم الله ، وقتل صاحبهم ورقطان ، وفتحها الله على يد موسى ، فبلغ سبيهم

--> ( 1 ) يكلم : يجرح . ( 2 ) أي لن أتركها وأغادرها . ( 3 ) في البيان المغرب 1 / 40 زغوان .